اقلام حرةمقالات

إلى الدكتور جعجع ورهبان الكنيسة: شكرٌ من شمعةٍ في جبيل… في ليل الوطن

بقلم: ناجي علي أمهز

من جبيل، حاضنة الأبجدية ووارثة سرّ البقاء، تلقيتُ بامتنانٍ عميق وحبورٍ صادق معايدة الدكتور سمير جعجع في مناسبة الميلاد المجيد. لفتةٌ لم أقرأها كمجاملة موسمية، بل كإشارة ضوء في زمنٍ يكثر فيه العتم، وتندر فيه الكلمات التي تشبه أصحابها.

في هذه المدينة، لا تُختصر الأعياد بتواريخ على الروزنامة، ولا بإضاءة شجرة الميلاد، بل تُفهم بوصفها مساحات نور نُرمّم فيها ما تهدّم من جسور، ونبثّ الحياة في روح الوطن قبل جسده. هنا تعلّمنا أن كرامة الإنسان هي البداية، وأن احترامه هو الطريق، وأن قيامة الإنسانية هي المعنى الأعمق لوجودنا في هذا الوطن الذي أراده مؤسسوه رسالةً لا متراساً.

أشكر الدكتور جعجع على هذه المبادرة التي تتجاوز اللياقة إلى جوهر الشراكة الوطنية الحقيقية، تلك التي تشكّل حقيقة لبنان. ونحن، أبناء هذه الأرض المتجذّرة في التاريخ، سنبقى نذر أقلامنا وأصواتنا لمدّ الجسور لا لهدمها، وللمطالبة بالعيش الواحد حتى آخر النفس. فلبنان، بجميع طوائفه، ليس مصادفة جغرافية، بل حتمية حضارية وتاريخية تشعّ على العالم، ولا نرى عنها بديلاً.

كل عام والدكتور سمير جعجع وعائلته و«القوات اللبنانية» بخير، على أمل أن يزهر السلام في القلوب قبل أن يُعبد في الدروب.

ويمتدّ الشكر إلى الآباء ورجال الكنيسة الذين غمروني بمودّتهم الصادقة؛ أولئك الذين يرون في ميلاد فادي البشرية حقيقة سلامٍ ورجاء، لا حكراً على إيمانٍ دون آخر، بل رسالة عابرة للمذاهب، مستقرة في وجدان الإنسانية جمعاء.

وكذلك الى سياسيين ونخب واصدقاء عبروا بفيض من المحبة عن ما اكتب.

هذه اللحظات تستوقفني لأستعيد فكر وبصيرة مثلث الرحمة، الأباتي أنطوان ضو. كان يردّد عليّ بثقة العارف:

“اكتب عن التعايش يا ناجي، ولا تتوقف، مهما حاولوا تغييبك”.

وكنت أجيبه بقلق الكاتب المعاصر:

“يا أبونا، تغيّر الزمن… الإعلام صار مؤسسات عملاقة، والسوشيال ميديا لا تقاس بعمق وفلسفة الفكرة وابداعها، بل بعدد الاعجابات، كل شيء تبدّل”:

فيبتسم ويقول:

“يمكن معك حق، بس اللي بعرفه إن الناس بالظلام بتدوّر على ضو الشمعة. مش ضروري تكون بروجكتور… بيكفي تكون شمعة بالوقت الصح، والناس بتشوفك”.

 

واليوم، في ليلة الميلاد، أختار أن أكون تلك الشمعة الجبيلية، شاهداً على الحق والجمال في وطنٍ يتعب، لكنه لا يموت.

 

ختاماً، ومن القلب، أتقدّم بأصدق المعايدات لإخوتي المسيحيين خاصة، ولجميع اللبنانيين عامة، راجياً أن يولد لبنان الجديد أولاً كما أراده الله، وثانياً كما أردناه يوم هتفنا معاً: كلّنا للوطن. لبنان الذي تلتقي فيه الكنائس والمساجد شاهدةً على محبةٍ لا تنقسم، وعلى إلهٍ لا يشبه إلا نفسه، لأنه يحبّ جميع من سكن هذه الأرض، كما أحبّوا هم بعضهم بعضاً… لبنانيين.

في معظم دول العالم يولد الإنسان على فطرة دينه ومذهبه، أمّا في لبنان فنولد، قبل كل شيء، على دين اسمه لبنان.

ميلادٌ مجيد، وعامٌ يحمل بعض الخلاص.

المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى