
“أن ترى جريمة بصمت هو أن ترتكبها”
خوسيه مارتي
تعد مقولة الشاعر الكوبي خوسيه مارتي بأن رؤية الجريمة بصمت تعادل ارتكابها واحدة من أعمق الصرخات الأخلاقية في تاريخ الأدب الثوري، فهي تمثل دستوراً أخلاقياً خطه بنضاله ضد الاستعمار الإسباني، إذ آمن بأن الكلمة التي لا تواجه الظلم هي كلمة ميتة، وأن من يراقب تنكيل القوي بالضعيف بصمت ليس بريئاً بل هو شريك فعلي يمنح المجرم غطاء للاستمرار في بطشه.
عندما يتحدث رئيس الجمهورية عمن يبخون السم، فإنه يشير بوضوح إلى من يعملون ضد مصلحة لبنان وضد موقعه الوطني، خاصة وأن هؤلاء باتوا معروفين لدى الجميع، فالتماهي مع مطالب العدو الإسرائيلي وفق القوانين والأعراف اللبنانية هو خيانة عظمى تعكس تفضيل المصالح الشخصية على أرواح الشعب، وهنا يبرز التساؤل حول دور رئيس الجمهورية في فضح هؤلاء وتطبيق القوانين بحقهم، فمن حق الشعب اللبناني أن يعرف من يكيد له المؤامرات، وبعد كل التنازلات التي قدمتها الحكومة دون مقابل من المجتمع الدولي والعدو، وأمام تضحيات أهل الجنوب وفئة كبيرة من اللبنانيين، يصبح من الواجب على رأس الدولة أن يعلن بوضوح أن: قد بلغ السيل الزبى، إن الوقوف في وجه الإملاءات الخارجية ليس مجرد خيار سياسي بل هو واجب أخلاقي يمليه الضمير وحماية الدستور، فاللبنانيون الذين واجهوا الظروف الصعبة بصبر يستحقون قيادة تجعل من تضحياتهم بوصلة للقرار، فالسيادة لا تتجزأ والكرامة الوطنية لا تخضع للمساومات حين تتقاطع المصالح الدولية على حساب أوجاع الناس، والتاريخ لا يرحم من يفرط في الأمانة، مما يقتضي اليوم التمسك بالثوابت الوطنية ورفض الضغوط مهما كان مصدرها لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، فعندما يستند المسؤول إلى شعبه يمتلك قوة تفوق أدوات الضغط الخارجي، والوفاء لتضحيات اللبنانيين يفرض وضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار لإثبات أن هذا البلد ليس ساحة لتصفية الحسابات بل وطن لسيادة الحق، كما أن التمسك بالدستور هو الدرع القانوني الذي يحمي لبنان من التدخلات، والوحدة الداخلية هي التي تمنح هذا الدرع صلابته، فكلما توحدت الإرادة خلف كلمة “لا” في وجه ما يمس السيادة تراجعت مشاريع التبعية، واللحظة الراهنة تتطلب شجاعة استثنائية تليق بحجم التضحيات الجسيمة، فالقرار الحر هو وحده الذي يصون المستقبل ويحفظ للأجيال وطناً يفخرون به بعيداً عن الوصاية، وقد قدمت المقاومة اللبنانية أغلى التضحيات وما زالت للحفاظ على كيان البلد، ولكن على الأطراف الأخرى وخاصة من هم في موقع المسؤولية أن يبادروا لرفض الإملاءات التي قد تجعل لبنان في مهب الريح، والمطلوب هو الوقوف وقفة واحدة لقول لا للمتغطرس الأمريكي والصهيوني حفاظاً على ما تبقى من الوطن.
عند إسقاط مبدأ “مارتي” وغيره من الفلاسفة والمفكرين على الواقع اللبناني المعاصر، يبرز موقف اليمين اللبناني “الانعزالي”، كنموذج صارخ لما حذر منه هؤلاء الفلاسفة. ففي الوقت الذي يتعرض فيه لبنان لعدوان إسرائيلي غاشم يستهدف البشر والحجر، يختار هذا اليمين خطاباً لا يكتفي بالصمت عن جرائم الاحتلال، بل يذهب نحو التماهي مع أهداف العدو وسرديته. إن هذا السلوك يسقط في فخ “الارتكاب” الذي ذكره خوسيه مارتي، فتبرير العدوان تحت مسميات سياسية وتحميل المقاومة والضحايا مسؤولية دمائهم هو الفعل الجرمي بعينه، إذ يمنح العدو “شرعية” داخلية يفتقدها ويبرر له الاستمرار في تدمير القرى وقتل المدنيين.
إن ما وصفه دانتي أليغييري بالحياد الخائن يتجسد اليوم في مواقف هذه المجموعات التي تدعي السيادة بينما تلوذ بالصمت أمام انتهاك السيادة من قبل إسرائيل، أو تنشغل بالتحريض الداخلي الذي يخدم استراتيجية العدو في تمزيق المجتمع اللبناني من الداخل. إن فلسفة مارتن لوثر كينغ تدين هؤلاء بوضوح، لأن صمتهم وخذلانهم لشركائهم في الوطن في لحظة الوجود الكبرى هو ما يمنح المحتل القوة النفسية والسياسية للاستفراد بلبنان. وهكذا، يتحول اليمين اللبناني المتماهي مع العدو من مجرد خصم سياسي إلى “مرتكب صامت” بحسب تعريف خوسيه مارتي، حيث يصبح صمته عن الجريمة وتبريره لها جزءاً لا يتجزأ من أدوات القتل والتهجير التي يمارسها الاحتلال.
يا ايها المسؤولون اعيدوا تحكيم ضمائركم في ادارة شؤون البلاد، فان صلف العدو الاسرائيلي لن يجد رادعا ما دامت سياسة تقديم التنازلات المجانية هي السائدة، اذ اثبتت الوقائع ان كافة القرارات الحكومية المتعاقبة لم تجلب سوى مزيد من الاعتداءات وعمليات الاغتيال، والتي كان احدثها ما جرى تزامنا مع انعقاد جلسة مجلس الوزراء الاخيرة المخصصة لمناقشة انتشار الجيش في منطقة جنوب الليطاني. وهنا يبرز تساؤل جوهري حول ما اذا كان الرئيس القوي سيسمح بوقوع مثل هذه التجاوزات لو كان في سدة المسؤولية اليوم، والاجابة تأتي حاسمة بالنفي، بالنظر الى مصلحة الوطن العليا ويجب تطبيق معادلة النار بالنار، أن القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العدو لردعه عن غطرسته واعتداءاته.
في الوقت الذي كان فيه الرئيس جوزاف عون يحاضر في مفهوم الدولة و”حصريتها”، قام العدو الصهيوني بقتل عضو مجلس بلدية بنت جبيل الشهيد محمد عادل الصغير، وهذا الحدث يضع الشعارات المطروحة امام اختبار الواقع المرير الذي يعيشه الجنوبيون يوميا، فكلام الرئيس عن القدرة على حماية ابناء الجنوب يظل مجرد ادعاءات انشائية لا رصيد لها على الارض، طالما ان هذه المؤسسات تعجز عن ردع العدوان او توفير الحد الادنى من الامان للمواطنين العزل في قراهم.
يظهر رئيس الجمهورية في تعاطيه مع المجريات بعقلية قانعة، تعيد تدوير فكرة لبنان الضعيف تحت ستار من الواقعية الجافة وادعاء الحكمة السياسية، بينما تخوض المقاومة غمار الاحداث بروح مسؤولة، تتقصى من خلالها مكامن الاقتدار ومعادلات السيادة وقواعد الرقي الحضاري. الواقع ان في فعل المقاومة مسارا لصياغة الذات الانسانية، قبل ان تكون ترسانة حربية، ومنبعا للادراك الشعبي المشترك قبل ان تكون مجرد حصص وزارية او مقاعد نيابية. ان اليقين بان الحق في الحياة ينتزع بامتلاك ارادة المواجهة، هو المفتاح الوحيد الذي يمنع المرء من الوقوع في فخ التفسير الخاطئ لميثاق الطائف.
عندما يقول عون أن الدولة تحمي المواطنين،
اثبتت احداث العام الماضي ان الدولة لم تستطع استعادة الاسرى ولا تحقيق الانسحاب الاسرائيلي ولا تحرير الاراضي المحتلة ولا اعادة الاعمار، الدولة التي لا تستطيع حماية عضو بلدية في عمق ارضها لا يمكنها ادعاء الحصرية او السيادة، وهي تكرس بذلك الفجوة السحيقة بين من يقاوم ويقدم التضحيات وبين من يكتفي بالتنظير من موقع العجز المالي والسياسي والعسكري، مما يعزز القناعة بان القوة الحقيقية تكمن في مكان اخر بعيدا عن هياكل القصور المتهالكة.
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.







